محمد بن عبد الوهاب المكناسي

33

رحلة المكناسي

نختم الحديث عن أسلوب ابن عثمان في الإحراز بالإشارة إلى مراسلاته ومسامراته مع أصدقائه عقب رجوعه من رحلته إلى مكناس ، باعتبارها نموذجا للأسلوب المتبع في مراسلات الفقهاء والأدباء آنذاك ، حيث الحرص على قوة الأسلوب وتنميقه إبرازا لامتلاك ناصية اللغة ، والقدرة على استغلال ذخيرة معجمية في تطريز وتدبيج نصوص بديعة . ففي كتاب لابن عثمان إلى صديقه الكبير البيجري يدعوه فيه للقدوم عليه لتناول الشاي يقول : " وإنا لننتظر قدومك علينا قبيل الشمس شروقا ، والإبريق يصطك فؤاده لسقياك خفوقا ، حتى نتقضى من منادمتك حقوقا ، فالساق مشمر عن ساق ، والإبريق متأهب بما يليق لأن يريق ، والكأس بحلا عسجدية كأس ، والكل للقياك متأهب ، وبطاعتك متقرب « 58 » . وإذا كانت رسالة الدعوة تنم عن عناية صاحبها بالمحسنات البديعية ليبدو أسلوبها منمقا ، فإن الجواب جاء في حلة أبهى وأجمل إذ كتب البيجري : " المبرز في العلا المحرز للمعلى ، محيي فصاحة الأوائل ومعيي سحبان وائل . . . هذا وما عسيت أحلى ، ولو حصلت لي ملكة المحلى ، أو حصلت أنواع بديعة الحلى ، وأنت أعزك الله السفير بين الملوك ، والوزير الذي هو في عقد الوزارة فاخرة السلوك ، فأنى يوصل إلى الأوج من فلك مجدك ، ولا يقال للزوج إن له معنى من معاني فردك ، بيد أنك حفظك الله كريم الأخلاق ، وحضرتك العلية حضرة الإطلاق ، فبساط أنسك لا شك أنه أرفع ، لكن انبساطك فيه أوسع للنفوس وأنفع ، وهو وإن كانت به الفرش المرفوعة والأكواب الموضوعة ، وألوان الطعام مما طار كما قيل وعام ، أو من غيرهما كذلك المشوب بالطيب ، المشتبه بقلنسوة الخطيب ، فخطابك البليغ أفضل من ذلك كله وأجمل ، ومنزعك اللطيف أوصل للنفوس وبها أحل ، لأن ذوق معاني الكلام ، ألذ من ذوق ما في الأواني من الطعام وأجل وأكمل ، ومما هزني من ذلك للكلام ، ولزني في المداعبة معك كما لز الألف

--> ( 58 ) نفسه ، ص . 273 .